الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

26

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأنّما لم يدبروا شيئا في إعدام أخي يوسف - عليه السّلام - شفقة عليه لصغره . وإقحام لفظ قَوْماً بين كان وخبرها للإشارة إلى أنّ صلاح الحال صفة متمكّنة فيهم كأنّه من مقوّمات قوميّتهم . وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ في سورة البقرة [ 164 ] وعند قوله تعالى : وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ في سورة يونس [ 101 ] . وهذا الأمر صدر من قائله وسامعيه منهم قبل اتّصافهم بالنبوءة أو بالولاية لأنّ فيه ارتكاب كبيرة القتل أو التّعذيب والاعتداء ، وكبيرة العقوق . [ 10 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 10 ] قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 10 ) فصل جملة قالَ قائِلٌ جار على طريقة المقاولات والمحاورات ، كما تقدّم في قوله تعالى : قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها في سورة البقرة [ 30 ] . وهذا القائل أحد الإخوة ولذلك وصف بأنّه منهم . والعدول عن اسمه العلم إلى التنكير والوصفيّة لعدم الجدوى في معرفة شخصه وإنّما المهمّ أنّه من جماعتهم . وتجنّبا لما في اسمه العلم من الثقل اللفظي الذي لا داعي إلى ارتكابه . قيل : إنّه ( يهوذا ) وقيل : ( شمعون ) وقيل ( روبين ) ، والذي في سفر التّكوين من التّوراة أنه ( راوبين ) صدّهم عن قتله وأن يهوذا دل عليه السيارة كما في الإصحاح 37 . وعادة القرآن أن لا يذكر إلّا اسم المقصود من القصّة دون أسماء الذين شملتهم ، مثل قوله : وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [ سورة غافر : 28 ] . والإلقاء : الرمي . والغيابات : جمع غيابة ، وهي ما غاب عن البصر من شيء . فيقال : غيابة الجبّ وغيابة القبر والمراد قعر الجبّ . والجبّ : البئر التي تحفر ولا تطوى . وقرأ نافع ، وأبو جعفر « غيابات » بالجمع . ومعناه جهات تلك الغيابة ، أو يجعل الجمع للمبالغة في ماهية الاسم ، كقوله تعالى : أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ [ سورة النور : 40 ] وقرأ الباقون فِي غَيابَتِ الْجُبِّ بالإفراد .